محمد أبو زهرة

1124

زهرة التفاسير

أولها : أن الأخذ يفيد الوقوع التام في سلطان اللّه تعالى ، فهو سبحانه أخذهم كما يؤخذ الأسير ، لا يستطيع من أمره فكاكا . ثانيها : أن التعبير بالباء يفيد أمرين : المصاحبة والمقابلة ؛ فهم قد أخذوا مصاحبين ومتلبسين بذنوبهم لم يقلعوا ، ولم يتوبوا ، بل استمروا على حالهم ملابسين لها ومقترنة بهم ، كما تدل على أن العقاب مقابل للذنوب ، فهو بدل ببدل ، وكما أنهم قدموا الذنب ، فليتسلموا العقاب . وثالثها : أن هذا التعبير فيه إشارة إلى عدل اللّه سبحانه وتعالى الكامل ؛ فالذنب هو الذي ولد العقاب ، وهو يماثله تمام المماثلة ، وما ظلمهم اللّه ولكن أنفسهم يظلمون . والحقيقة الثالثة : قال سبحانه وتعالى فيها : وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ وفي ذكر هذا الوصف للذات العلية إشارة إلى شدة العقاب لشدة الجريمة ، وإشارة إلى أن العدالة الإلهية تقتضى شدة العقاب ؛ لأنه لا يستوى الذين يحسنون والذين يسيئون ، ولا يستوى الأخيار والأشرار ؛ فإن المساواة هي الظلم في هذه الحال . ثم في هذا الوصف للذات العلية تعليم للناس بأن كل فعل يجب أن يكون له جزاؤه فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 ) [ الزلزلة ] . وهذا النص الكريم فوق ذلك يربى المهابة في النفس ، ويجعل كل مؤمن يغلّب الخوف على الرجاء ، فإن الخوف يجعل العابد يستشعر الطاعة دائما ولا يدل بالعبادة ، وتغليب الرجاء يمكن للنفس الأمارة بالسوء أن تسيطر ، ويجعل العابد يدل بعبادته . قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ اغتر المشركون بأموالهم وأولادهم وقوتهم في الأرض ، فكفروا وعتوا عتوا كبيرا ؛ فبين اللّه سبحانه وتعالى أنهم سيغلبون في هذه الدنيا ، وأنهم في الآخرة سيحشرون إلى جهنم ؛ ولذا أمر اللّه سبحانه وتعالى نبيه أن يقول فيهم هذه الحقيقة فقال سبحانه : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا .